خَزَرَات

مقالات

َخَزَرَات

خرجتُ من مقطني بعد اعتزال دامَ طيلة فترةِ العطلة الانتصافية – بعدَ أنْ كِدتُ أن أنسى طريقَ المواقفِ- بخطى تتبعها خطى لكي ألحقَ باص السابعةِ والنصف. وبسبب إهمالي حالةَ الطقسِ قبل المغادرةِ كانت النتيجة أن أصل المواقفَ مبللاً. رأيت السائقَ من بعيدٍ. أنهى سيجارة (ما قبل القيادة) فرماها أرضاً في إحدى بِرك الأمطار الصغيرةِ، وهمّ بالركوب معلناً عن أُهبته للإنطلاق. ما إن رأيته هَرعت مسرعاً متعثراً بخطايَ في برك الوحل غير آبه لما حلّ بملابسي من بللٍ. أرنو اللحاق بالباص. عندما وصلت تسللت مطرقاً، وجلستُ في المقعدِ الوحيدِ المتبقّي آخر الباص منتظراً الرحيلَ. توقف الباص لبرهة بعد أن تقدم قليلاً مستقبلاً آخر ركّابه. كانت مسنّة في عقدها السادسِ. يظهر على وجهها ملامحُ الإرهاق. تقدمتْ نحو مؤخرة الباص حيث أجلسُ. وكنت أرقُب خُطواتها بتمعّن، وفي طريقها خزرتني بطرف عين تجلّى في هالاتها أرقُ ليلة مليئة بأنين الألم والأسى. أيقنت أن في نظرتها تلك خبايا وأسرار وبدأت أنسج من وحي الخيال قصصا عما جعل هذه العجوز تخاطب الغرباء بعيونها، وتُفصح لهم عمّا بداخلها بنظرة يفهمها البعض ويَضرِب بها البعض الآخر عرض الحائط جاهلاً أو متجاهلاً. في هذه الرحلة التي تستغرق نصف ساعة على الأكثر من المركز الحيوي للمدينة إلى مستشفى الجامعة القابِعِ في أعالي الجبال لا يوجد الكثير لفِعله، قد تضعُ السماعات منتشياً على الرديء من الألحان والأغاني، أو مستمعاً لوثائقيٍ عن ظهور طائر العنقاءِ في غابات الأمازون، أو تبدأُ التقليبَ بين صفحات التواصل الاجتماعي مستشفّا غيضاً من فيضٍ من الأخبار اليومية الرتيبة. كارتفاع الأسعار، وانقطاع التعليم في بعض الولايات بسبب غزارة الأمطارِ، و صورةِ لعميد جامعتنا الحبيبةِ في طرَفِ يدِه يدُ أحدٍ من الناس أو يدُه!.

ولكنك بعد اعتياد هذه وتلك من المَشاهد ستألَفها كُلّها، وتغلقُ الشاشة مغمضاً عينيك المرهَقتين، سانداً رأسك إلى ما خلفَه من بقايا مِقعد لا يزيدك إلا ألماً. تاركاً وثائقي الطيور الذي نسيتَ إغلاقه مضطَّربا في الخلفية يخلق في أذنيك ضوضاء مزعجة تمر عبر رأسك ناخرةً له نخراً. تودي بك في نهاية المطاف إلى إغلاق كل ذلك ومتابعةِ المشهد الشتوي خارج الحافلة بصمت.

 في ذلك اليوم وبعد أنْ لحقتُ الباص بصعوبة وأوشَكَتْ بَطارية هاتفي على النفاد. أدركت أن هناك عالما آخر مختلفا كليا، بل دنيا مصغرة ستراها بعد إطفاء الهاتف ورميه في غياهِب جُيوبك المَنسيّة.

 أما هذه العجوز- التي تتجه بخطوات مترنحة نحو مقعدي لتسلبنيه- فهي ذاهبة إلى المستشفى بعد ليلة أمضتها مضطربة مشغولة بمرض بعلها وتعرضه لأزمة قلبية مفاجئة. أبعدت عنها ما اعتادت قُربه ،وسلبتها ما كان لها، فالبيت دون عماده وهِن، وزوجها عماده. أما ما دون العماد فلا قيمة له بنظرها، فما فتئت تسهر الليل كله معتكفة تدعو الله بشفاء زوجها وأن يجعل زيارتها هذه مليئة بالبشرى.

 نهضتُ من مكاني سريعاً في غير تردّد مُتسائلا عن مدى قُرب الحِكاية التي نسجتُها آنِفا في مُخيّلتي من واقع هذه المسنّة التي خاطبتني مُبتسمَة بعدَ أنْ جلست: (Allah razı olsun )

مرّت لحيظات وإذ بنا ماضونَ قُرب جامعِ (Uzun Mehmet) فما برِحنا أن تقدّمنا قليلاً وإذ بهاتفي يلفظ أنفاسَه الأخيرةَ مُعلِما عن قرب موعِد رَحيله. أمضيتُ باقيَ الطريقِ متمعنا في الوجوه محاولا فهم خبايا الناس وقصصهم من هيئاتم ونظراتهم، فرأيت شاباً عشرينياً مرتدياً معطفاً باهظ الثمن وتحته مريول التدريب الطبي. كانت الإبتسامة لا تفارق وجهه، ويملأ قلبه إيمان خفي بأحد الأهداف السامية التي يعيش البشر لتحقيقها ،وامرأةً تضع يدها بتألم على خدها الأيمن مكفهرة الوجه عابسته بسبب وجع في إحدى أسنانها الخربة وبجانبها فتاة لم تبلغ العشرين غير مرتاحة من تذمر المرأة. تفتح الهاتف من حين لآخر وعلى وجهها علامات تنم عن عدم الرضا وتنسى ما حولها بوضعها للسماعة وتشغل أغاني البوب التركي التي لا حصر لها عددا ،وشاباً ذاهبا لكلية طب الأسنان حاملا معه أدوات لَتنوء بالعصبة أولي القوة. وكان كغيره ممن وضع السماعة واختفى في عالمه الخاص وغيرهم الكثير.

كنت أتقدم رويداً رويداً من آخر الباص إلى أوله مسترقاً النظرات من عيون الركاب متسائلاً عن قصصهم وأحوالهم. حتى وقع بصري على مرآه السائق الأمامية مشاهداً انعكاساً لصورتي واقفا  وسط الباص. حاولت النظر في عيني لفهم حكايتي أكثر… فلم أفهم! أمعنت النظر مرات عديدة دون جدوى حتى رمقني السائق بنظرة حادة مباغتاً…

 وقال:  Bir şey mi oldu gardaş  ؟

 فانتبهت، وغضضت الطرف عنه، ووضعت سماعتي مستمتعاً بوثائقي العنقاء مستهلكاً آخر آنفاس الهاتف.

بقلم:

شارك هذا الموضوع:

Facebook
Twitter

أقرأ أيضاً

حكاية شاب سوري

مقالات حكاية شاب سوري حكاية شاب سوري ولدت في بلدة صغيرة تقع في قلب سوريا، الأصل من محافظة إدلب، لكني …

رسالةٌ إلى طَلبةِ العلمِ..

مقالات رسالةٌ إلى طَلبةِ العلمِ.. رسالةٌ إلى طَلبةِ العلمِ.. السلامُ على بُناةِ هذه الأمّة.. يا مَن تغربوا وكافحوا وما استسلموا …

الخيرة في ما اختاره الله

مقالات الخيرة في ما اختاره الله الخيرة في ما اختاره الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في عام 2018 درست …

دروس قيّمة من تجربة اجتماعية لطالب جامعي

مقالات دروس قيّمة من تجربة اجتماعية لطالب جامعي دروس قيّمة من تجربة اجتماعية لطالب جامعي في يوم من الأيام، كان …

أهمية الانضمام الى تجمع الطلاب وفوائدها

مقالات أهمية الانضمام الى تجمع الطلاب وفوائدها أهمية الانضمام الى تجمع الطلاب وفوائدها بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على …

 تقنية الطماطم

مقالات تقنية الطماطم  تقنية الطماطم… استراتيجية قد يجهلها الطلاب الجامعيون يعد تنظيم الوقت أو التركيز في حفظ المنهاج الدراسي من …

فكرتين عن“خَزَرَات”

  1. كأنني كنت معك.. قد مضت دقائق القراءة بسرعة، كنت أتمنى أن تطول أكثر، فالكلام المرتب والمصطلحات المعبرة عن الحدث رائعة.. أتمنى أن أرى كتابت أخرى لك يا صديقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *